من القواعد المركزيّة التي استنبطها الفقهاء وعلماء أصول الفقه أنّه "لا تكليف إلاّ بفعل" وهذه القاعدة منسجمة تمام الانسجام مع تعريفهم للحكم الشرعي بأنّه "خطاب الله تعالى المتعلّق بأفعال المكلّفين بالاقتضاء (أي بالطلب) أو التخيير أو الوضع" لكنّ مفهوم الفعل عندهم ليس مقتصرا على فعل الجوارح الظاهرة بل يشمل ثلاث مساحات هي فعل القلب أو الوجدان، وقول اللسان وحركة الأبدان. ومن أفعال القلوب النية والإخلاص، ومن تكاليف اللّسان الذكر وتلاوة القرآن، ومن عبادات الأبدان الوضوء والصلاة والحجّ.
لكنّ الإشكال أنّ هذا التعريف الذي يحصر التكليف في الفعل مخالف في الظاهر لأنواع من التكاليف الشرعية التي تكون بالترك، أي بالامتناع وعدم الفعل، مثل الصوم الذي هو إمساك عن الأكل والشرب والجماع إلى حين، فهو ليس فعلا، بل ترك لأفعال مخصوصة، وأمثال التكاليف المؤسّسة على الترك كثيرة تشملها المحرمات كتحريم الخمر، والزنا، والسرقة، والغش في المعاملات، والغيبة وغير ذلك.
ومع ذلك فإنّ علماء الأصول يصرّون على أنّ هذه العبادات مؤسّسة على الفعل رغم كونها امتناعا. وهم على حق في ذلك لأنّ كلامهم ينسجم مع مفهومهم الشامل للفعل، فالصّوم مثلا رغم كونه امتناعا عن أفعال مخصوصة كالأكل والشرب فإنّ هذا الامتناع أو الترك الظاهري مدفوع بفعل إيجابي مجاله القلب والإرادة، لذلك كانت النية القلبية شرطا في صحته وهي فعل حسب مفهومهم المذكور سابقا. وكلنا يعلم أن الصوم خاصّة في حرّ الصيف يتطلّب طاقة معنوية وجسدية، والطاقة شحنة لها وجود محسوس سواء أكانت موجبة أم سالبة، وفي الصّوم كذلك جهد تحسّ بوقعه النفس ويعيش إرهاقه الجسد، وما الجهد إلا فعل فيه معاناة ومصابرة.
والحاصل أنّ التكليف لا يكون إلا بفعل إما على سبيل الإذن والإباحة أو على سبيل الاقتضاء الذي يعني الطلب، وهذا الطلب قسمان : طلب فعل على سبيل الوجوب أو الندب. وطلب ترك على سبيل التحريم أو الكراهة. وطلب الترك في عرف الفقهاء فعل بالمعنى العام للفعل.
وبذلك يتبيّن أنّ التكاليف الشرعية أفعال لها وجهان: هما أفعال يطلب فعلها، وأفعال يطلب تركها. وطلب الفعل يكون بالأمر، وطلب الترك يكون بالنهي، فانقسم بذلك أسلوب الخطاب التكليفي إلى قسمين أحدهما الأوامر، وثانيهما النواهي. وللإسلام فلسفته الخاصة في الأمر، وفلسفته الخاصة في النهي والتحريم ليس هذا مجال تفصيلهما. وإنّما الذي يهمنا هو الوقوف عند بعض دلالات النهي أو التحريم وطلب الترك.
ليس طلب الفعل أشقّ من طلب الترك بالضرورة، بل قد يكون حبس النفس عمّا تريد أشدّ عليها من تكليفها بأفعال مخصوصة، لأنّ كثيرا من الرغبات الممنوعة راسخة في طبيعة الإنسان وتكوينه. وممّا يدلّ على شدّة هذا التكليف السلبيّ أنّ أوّل تكليف امتحن الله تعالى به آدم عليه السّلام كان طلب ترك إذ منعه من الأكل من شجرة عرّفها له، ورغم كثرة المباحات التعويضيّة التي وفّرها له ربّه في الجنّة فقد فشل في هذا الامتحان الذي كان عسيرا لعدّة أسباب، منها غواية الشيطان وقسمه، ومنها رغبته في معرفة مقصد المنع، ومنها دوافع الغريزة الضاغطة كغريزة حبّ الخلود التي اتخذها الشيطان مدخلا لغوايته.
والإقدام على فعل الممنوع يتحدّى في الإنسان أشرف صفة تميّز بها هي صفة العلم. فقد تخطّى آدم حاجز المنع رغم علمه بالنهي والتحريم، ورغم علمه بأنّ إبليس عدوّه، وكثير من الناس يقدمون على المحرّمات رغم علمهم بنتائجها الضارة بالنفس والجسد والبيئة.
هذا مع العلم أنّ دائرة المحرّمات أضيق من دائرة المباحات الواسعة، فما أباحه الله لآدم في الجنّة أكثر من الشجرة الواحدة التي حرّمها عليه، والله تعالى عدّد لنا المحرّمات لأنّها قليلة معلومة العدد، وأطلق المباحات لأنّها كثيرة يصعب علينا إحصاؤها قال تعالى ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذٰلِكُمْ ﴾ (سورة النساء: الآية 24)
ولما كان ترك المحرّمات أشدّ على النفس من فعل المباحات شرع الإسلام عبادات فيها تدريب قويّ نسبيّا، لأنّها قائمة على ترك المباحات بصفة مؤقّتة، ومنها الامتناع عن بعض المباحات عند الإحرام في الحجّ، والامتناع المعروف في الصّوم. وترك المباح أشدّ على النفس من ترك الحرام، فإذا نجح المسلم في امتحان ترك المباح الذي هو أشدّ فإن ذلك من شأنه أن يساعده على النجاح في امتحان ترك الحرام الذي هو أقلّ شدّة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق